ما سرّ الثرثرة الدائمة؟

 ما سرّ الثرثرة الدائمة؟

تتحدثين بكثرة، لا بل إنك تثرثرين بكثرة. وتدركين تماماً أن تلك الثرثرة تدفع العديد من الأشخاص إلى الهروب منك، لكن تستمرين فيها. ما السبب وما هي الدوافع؟ إليك التفاصيل...
تقول لك صديقتك إنك تثرثرين بكثرة، وتطلب منك التخفيف قليلاً من تلك العادة المزعجة لكنك لا تنجحين لسوء الحظ. فهذا أقوى منك. لكن هل فكرت يوماً في الأسباب الكامنة وراء تلك الثرثرة؟

رفض الواقع الباطني
على رغم إدراكك للمشاكل الكثيرة التي تسببها ثرثرتك، ومنها انزعاج الآخرين لا بل نفورهم منك، فإنك تجدين فائدة ثانوية في ثرثرتك المفرطة. فضجيج الكلام يمنعك من التفكير، أي أنك تستخدمين الكلام بمثابة درع لحماية نفسك من عالمك الداخلي، لعدم إدراكك لحقيقة رغباتك وعواطفك وخيالاتك... إنها طريقة للهروب من أعماق الذات الحميمة، وهذا دليل على اضطراب كبير في الاستقرار الداخلي. بالفعل، يظن الشخص أنه قد يدمّر ذاته في حال التعبير بالكلام عن كل ما يختلجه من مشاعر وعواطف. لذا، يلجأ إلى الثرثرة لمجرد الحفاظ على السيطرة وعدم الخروج عن الحدود المسموحة. وقد تكون هذه الثرثرة المتواصلة دليلاً أيضاً على شيء نخفق في التعبير عنه. فإذا كان الشخص عاجزاً مثلاً عن الإجابة على أسئلة أساسية (من هو؟ ماذا يرغب في أن يكون؟)، يتحول إلى الثرثرة الفارغة والعقيمة لإخفاء ذلك القلق الوجودي. بالفعل، يقول علماء النفس إنه كلما تضاءلت ثقتنا في أنفسنا، ازدادت ثرثرتنا، وأصبحنا أكثر ميلاً للغوص في المواضيع التافهة التي لا تتطرق إلى الأمور الجوهرية.
يمكن معالجة هذه المشكلة عبر التواصل مجدداً مع الباطن، وعقد الصلح مع العواطف المكبوتة، والكشف عن رغبات دفينة، حتى لو كان هذا الأمر مزعجاً. لمساعدتك على ذلك، ننصحك بممارسة تمارين الاسترخاء لأن الارتخاء الجسدي يفضي حتماً إلى ارتخاء نفسي، وهذه انطلاقة جيدة للإصغاء إلى الذات.

خوف من الفراغ
قد تكون ثرثرتك المتواصلة ناجمة عن رغبتك في عدم حصول أي توقف أو سكوت في المحادثة بينك وبين الآخرين. فبعض الأشخاص يخافون من الصمت بكل بساطة، وأنت ربما واحدة منهم. بالفعل، يخشى بعض الأشخاص أن يتمكن الفريق الآخر في المحادثة من كشف حقيقتهم خلال لحظات الصمت، أو الحكم عليهم بطريقة سلبية، ولذلك يصرّون على التفوه بأي شيء لمجرد ملء الوقت وعدم حصول أي فراغ. هكذا، تكون الثرثرة المتواصلة طريقة لحماية الذات من الآخرين.
كما أن الكلام المتواصل، وقول أي شيء لمجرد ملء الوقت، قد يكون محاولة للفت انتباه الآخر وإقناعه بعدم التخلي عنا. وهذا أمر شائع جداً عند الأشخاص الذين يفتقدون إلى الثقة في النفس، ويظنون أنهم غير قادرين على لفت الانتباه إليهم. لذا، وبسبب الإحساس الكبير بالذنب، يتفوه هؤلاء الأشخاص بسيل من الكلمات والعبارات للتعويض نوعاً ما عن الإحساس بالتفاهة أو عدم الجدوى.
إذا كانت هذه هي حالتك، حاولي دوماً سماع سؤال الشخص الآخر الذي يحاورك قبل الشروع في الكلام أو الإجابة. وإذا لم يطرح عليك الشخص الآخر سؤالاً، وجهي له أنت السؤال وانتظري الجواب بدل الشروع في سرد رواية طويلة عن جولتك الأخيرة في التسوق أو النادي الرياضي. هكذا، تتعلمين رويداً رويداً التخلي عن الهوس الكلامي وتتعلمين قواعد التواصل الصحيحة، علماً أن الإصغاء للآخر هو أول تلك القواعد وأكثرها أهمية.

الخوف من التجرد
تشعرين بحاجة دائمة إلى التكلم عن كل ما يجري في حياتك، حتى لو كانت أموراً تافهة وغير مهمة. هذا شبيه نوعاً ما بالأشخاص الذين يحتفظون بدفتر خصوصيات ويسجلون فيه كل شيء، بما في ذلك أتفه الأمور وأبسطها. لكن الفرق بينك وبينهم أنك تفعلين ذلك بصوت عال أمام شهود! يقول علماء النفس إن هذه الثرثرة هي نوع من المحاولة غير الموفقة لابتكار معنى غير موجود، ومحاولة فهم أسباب الوجود في هذا العالم.
تبرز هذه الحالة خصوصاً عند الأشخاص الذين يجدون صعوبة في النفاذ إلى التجرد أو الرمزية. فلأسباب مختلفة، لم يكتسبوا خلال الطفولة القدرة على التفكير في الذات، أو التفكير في التجارب الذاتية أو التفكير في الآخرين. نتيجة ذلك، أصبح هؤلاء الأشخاص راشدين وملتصقين بالواقع، الذي يجدون صعوبة في حلمه وتخيله. إذا كنت واحدة من هؤلاء الأشخاص، ثمة احتمال كبير أن أمك لم تكن تتحدث إليك كثيراً عندما كنت صغيرة، ولم تصف لك العالم كما يجب. لذا، ها أنت اليوم تحاولين سدّ ذلك النقص عبر فعل الشيء المناقض تماماً.
إذا باتت الثرثرة المفرطة معاناة حقيقية بالنسبة إليك، عليك اللجوء إلى المعالج النفسي لمساعدتك على فهم أحداث معينة حصلت في حياتك، والتفكير فيها واستخراج العبر منها، ومنحها معنى واضحاً بطريقة أخرى غير الثرثرة المزعجة لك وللآخرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق