مدينة الحجر

في يونيو من عام 2008 بدأ علماء الاثار الفرنسيين بالتعاون مع السعوديين تنفيذ مشروع التنقيب ودراسة مدينة هيغرا ، Hegra,Hegreni والتي يطلق عليها بالعربية مدائن صالح، وتقع الى الشمال من مملكة آل سعود. المشروع يهدف الى القاء الضوء على تاريخ شعب الانباط، الذي يحوطه الغموض، حيث مدينة هيغرا يعود اليهم بناءها على الطرف الجنوبي من مملكتهم، التي كانت عاصمتها البتراء. 

وحتى في العهد القديم (التوراة). وعلى الرغم من ان مدينتهم الرئيسية، البتراء، قد جرى اكتشافها منذ زمن طويل، الا ان الكتابات فيها تتكلم عن اسماء الملوك التي دفنت في قبورها، في حين تصمت عن حياة النبطيين اليومية والاحداث التي مرت عليهم.

الان تقدم لنا مدينة هيغرا معلومات تغطي النقاط التي تنقصنا، إذ جرى العثور فيها على بقايا بيوت وابار وقنوات مائية تحت الارض، كانت تجعل المدينة الصغيرة جزيرة خضراء وسط الصحراء قبل 2000 سنة. من وثيقة لاتينية قديمة اصبحنا نعلم ان المدينة كانت مسكونة من فترة اسبق بمئة سنة عن توقعاتنا السابقة.

الفرنسيتين Laïla Nehmé & Francois Villeneuve يقودون المشروع الى جانب السعودي داي فلاح الطالحي. وقد سبق لهم العمل مع بعض من عام 2001 الى عام 2005 اثناء الدراسات الجيوفيزيائية للمنطقة، ووضع الخريطة الاثرية.

فترة صعود الانباط امتدت من 200 قبل المسيح الى 106 بعد المسيح، ولكن المعلومات عنهم قليلة للغاية. على الرغم من انهم كانوا يملكون احرفهم ولغتهم الخاصة، الا اننا لم نعثر لهم على كتابات عدا الموجودة على القبور والمعابد واحجار الذكرى. لم نعثر لهم على مخلفات تشير الى انهم كتبوا قوانين او كانت لهم ديانة ولم يكتبوا تاريخهم او يرسلوا رسائل. ومع ذلك نجد ان ذكرهم موجود في الكتب القديمة للشعوب الاخرى، مثل كتابات المؤرخ الاغريقي ديودوروس وسترابوا، وعند الكاتب اليهودي جوزيفوس بل نسيج نبطي] 
الدرجة الاولى فإن القبور المنحوتة في الجبل على شكل غرف، وعددها 100، هي التي تجذب الانظار وهي التي جعلت مدينة هيغرا (او مدائن صالح) المنطقة السعودية الاولى التي استحقت الظهور على صفحات اليونيسكو كموروث ثقافي عالمي. عدا هذه القبور المنحوتة، يوجد حوالي 1000 قبر صغير اخر في التربة او مجموعة من الاحجار.

العديد من القبور الكبيرة تملك لوحات كتابية محفورة تذكر لنا عن الذي بنى القبر او الذي دفن في القبر وتهدد من يتعرض لراحة الميت باللعنات الابدية والغضب الماحق. في بعض هذه المقابر توجد امكنة تحتوي 50 ميت، بعضهم، على الاغلب، جرى وضعه في المقبرة في فترة لاحقة. بعض المقابر من الصغر بحيث انهم إما للاطفال واما للدفن مرة ثانية بعد ان يكون الميت لم يبقى منه الا العظام.

النبطيين في الاصل كانوا قبائل بدوية متنقلة، وبالتالي كانوا عرب بالمعنى الاجتماعي للكلمة، وكانوا يعيشون على نقل البخور والحرير والبهارات والمسك مابين الجزيرة وسوريا ومنطقة مابين النهرين. للكرة الاولى جرى ذكرهم في وثيقة مصرية تعود الى القرن 200 قبل الميلاد. المؤرخ ديودوريوس كتب مئة سنة قبل الميلاد، ان النبطيين هم شعب من التجار يتنقل بقوافل عبر الصحاري ويعيش في الخيام الى جانب الجمال والغنم. وانهم يأكلون اللحم والنباتات البرية ويشربون الحليب، ولكنهم لايبنون البيوت ولا يفهمون بالزراعة. وايضا يشير الى انهم لايشربون الخمور، ولكنهم مشهورين بقساوتهم ونهبهم لبقية القوافل وللسفن في البحر الاحمر.

[بيوت نبطية] ص العاديين والتي عُثر عليها تحت انقاض البيوت التي تعود لاشخاص عاديين، والتي كانت موجودة في مركز المدينة القديمة. منطقة المنازل السكنية كان يحيط بها سور حماية، وفي الطرق الى البيوت جرى العثور على بقايا اواني خزفية ونسيج مصور، يذكرنا برسومات انسجة مشهورة تعود للاقباط المصريين. وايضا جرى العثور على 130 بئر عميق متصلين ببعضهم بأقنية تحت الارض وفوقها وخزانات تجميع لمياه الامطار النادرة، من اجل تزويد الواحة بالماء. بعض هذه المنظومة لازالت في الاستخدام من قبل البدو اليوم




في ذلك الوقت (الذي كتب المؤرخ عنهم) كان بعض الانباط قد اصبح يسكن البيوت، في حين ان البعض الاخر استمر بحياة السكن في الخيام، على الاقل خلال رحلات التجارة. الاستقرار الاول لشعب الانباط جرى ، على الاغلب حوالي مدينة البتراء الواقعة اليوم في الاردن، إذ جرى العثور على انقاض مساكنهم تعود الى مابين 200-300 قبل الميلاد. المنطقة كانت جزء من مملكة ادوميا والتي كانت تقع جنوب مملكة يهودا، والتي كانت عاصمتها اورشليم.

لاحقا، تمكن الانباط من توسيع مملكتهم لتصل الى دمشق في الشمال والى هيغرا (مدائن صالح) في الجنوب. عن الفترات الاولى، لاتوجد اخبار النبطيين، إذ ان الملك الاولى الذي وصلنا خبره كان اسمه "اريتاس، ملك العرب". هذه الاسم نجده في كتاب لليهود يسمى " المكابر" وهو من الكتب الذي جرى اقصائه عن النسخة الرسمية من الانجيل. ملوك الانباط كانوا سياسيين مهرة، إذ تمكنوا من تفادي اشعال الحروب مع الملوك المجاورين عن طريق شراء رضاهم بالهدايا والاعطية. احدى الامثلة على ذلك هو ملكهم ماليشوس Malichus (59-30 f kr) الذي ادار دفة العلاقة بعد قتل الامبراطور الروماني قيصر والصراع الذي جرى بعده بين اوكتافيانوس وماركوس انطونيوس وكليوبترا، انتهى بسقوط حكم الفراعنة.

على الع** من ديودوريوس نجد ان المؤرخ الاغريقي سترابو يصف حياة الانباط المريحة والمترفة بعد ان تحضروا واستقروا، حيث ملوكهم كانوا يحيون حفلات الغناء والرقص ويوزعون الخمور في كؤوس من الذهب. سترابو كان له صديق يعيش في البتراء وكان معجباً بملكها الذي كان يدعي اوبوداس الثالث، بسبب إدارته الديمقراطية وانفتاحه على الشعب وشفافيته وقبوله للنقد. الوصف يقدم لنا بعض ملامح الحفلات الفاخرة التي كانت تقام في المباني الكبيرة قرب المقابر الحجرية في مدينتي البتراء وهيغا.

عام 106 بعد الميلاد اصبحت مملكة الانباط جزء من المقاطعة الرومانية " آرابيا". لانعلم فيما إذا كان هذا الامر قد حدث سلميا او عسكريا، ولكن كل الامور تشير الى ان النبطيين استمروا على حياتهم المعهودة، في التجارة وزراعة الارض، ومن المحتمل اقتصار الامر على انتقال المركز الاداري من البتراء الى بصرى الشام. في القرن 300 قام الامبراطور الروماني ديوكليتيانوس بإعادة التنظيم الاداري للمناطق الرومانية في الشرق، بحيث ان القسم الشمالي من منطقة الانباط بقيت في مقاطعة آرابيا، في حين ان المنطقة الجنوبية الى جانب البتراء اصبح جزء من المنقطة المسماة " فلسطين تيرتيا". بعد هذا الحدث اختفى اسم الانباط من خريطة التاريخ.

المؤرخ سترابو يكتب ان الانباط لم يكونوا يدفنون موتاهم، ولكنه كان مخطئ، إذ ان القبور النبطية بالذات هي التي ادهشت العالم. العديد من مقابر هيغرا مزينة بمزهريات منحوتة فوق مداخلها ( وهو امر غير معروف في البتراء)، والبعض الاخر 

في الممرات المؤدية الى المدافن توجد مباني مخصصة لاقامة الطقوس وتكريم الاموات او الاحتفال بالاعياد الدينية. هذه الامور يمكن ايضا ان تكون قد حدثت في غرف المدافن نفسها.

الدين الذي كان يؤمن به الانباط نستطيع وصفه بفضل ماكتبه الاخرون عنهم، والقليل من الكتابات التي تركوها وتذكر فيها اسماء آلهتم وهي معروفة لنا من ثقافات الشعوب الاخرى. لديهم كان يوجد إله رئيسي، او رب الارباب يسمى دوشارا. (Dushara). من المحتمل ان يكون نسخة اخرى عن الاله الاشوري بعل والاغريقي زيوس، إذ يرمز اليه على شكل نسر يبرز من فوق ابواب العديد من القبور. صورة اخرى نتعرف عليها هي عبارة عن حجر مربع كبير تبرز منه عيون وايدي وانف وفم. هذه الرسمة ترمز للربة الاعلى العزة. تتميز هذه الربة بالتشابه مع الربة ايسيس المصرية وتتشابه مع الربة افروديتي او عشتار، ولذلك فهي ربة الخصب والحب

الهتهم العزه ( لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم ) 

قبل الاسلام كانت الربة العزة احد ثلاث آلهة مهمين، وهي ذات الالهة الثلاثة التي وجد النبي محمد صعوبة في إقناع أهل قريش بتركها والاكتفاء بإله واحد هو إله القمر القديم المسمى الله. وهي ذاتها الآلهة التي اشار اليها التاريخ بآية صدرت عن الرسول تقول: " تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى"، (راجع تفسير الطبري) والتي اضطر الى سحبها لاحقا مبررا الامر بأنها كانت امنية الشيطان (راجع الحج 52). وهذه الحادثة كانت هي المعنية بقصة سلمان رشدي : آيات شيطانية، والتي اثارت حفيظة بعض رجال الدين.

بعض الوثائق التي جرى العثور عليها تملك اهمية خاصة، إذ تشير الى ان نظرة الانباط الى المرأة على انها فرد له حقوقه، بما فيها حق الوراثة المتكافئة والسلطة وامتلاك الاموال والاملاك. وحتى العملة نجد انها مسكوكة برسومات لرأس الرجل الى جانب المرأة، الامر الذي يشير الى علو مكانتها الاجتماعية وقبول رموزها في السلطة. في احدى النصوص التوراتية نجد ذكر اميرة من النبطية ترفض ان يجري إهانتها من زوجها. هذه الاميرة كانت ابنة الملك النبطي اريتاس الرابع، وقد حكم في الفترة من 9 قبل الميلاد الى 40 بعد الميلاد. الاميرة النبطية تزوجت من شخصية رومانية عالية هو هيروديس انتيباس. Herodes Antipas, غير ان زوجها احب زوجة اخوه ولذلك طلق زوجته ليتزوج الاخرى. غير ان يوحنا المعمدان ادان الطلاق والزواج من زوجة الاخ، لذلك قام العامل الروماني بإعتقاله. في عيد ميلاده فتقوم ابنة اخوه سلومه، Salome, بالرقص لخاطره، فيعدها بأن يحقق لها رغبتها. والدها هيرودياس يهمس في إذنها ان تكون رغبتها رأس يوحنا على صحن، فيأمر هيروديس بقطع رأس يوحنا المعمدان. في التوراة، لانقرأ المزيد عن الاميرة النبطية، ولكن من مصادر اخرى نعلم ان الاميرة عادت الى والديها الذي يأمر بإرسال حملة للانتقام من زوجها السابق.

وعلى الرغم من ان حضارة الانباط مجهولة نسبيا، الا انها تركت اثارا واضحة على المسيحية والاسلام المبكر. مملكة الانباط كانت مزدهرة في عصر المسيحية المبكرة، غير ان تقسيم بلاد الانباط إداريا ادى الى ذوبانهم، وزالت اثار تأثيراتهم على الحضارة اللاحقة. الان يتأمل الباحثين ان يتمكنوا من الحصول على معلومات جديدة تساعد على فهم الانباط والاضافة التي قدموها لتطور المنطقة.. 

هذه احدى التماثيل المعبوده 
لها اسم لا استطيع كتابته ولا اجروء على ذلكـــ ( العياذ بالله ) 
بعض الصور للمدينه القديمه 


المصدر :انهار الفكر والثقافه




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق